|
المعادلة الصعبة: إما الصومال الكبير وإما الإمبراطورية الحبشية- بقلم أحمد عبده آدة |
|
|
|
|
Saturday, 08 November 2008 |
|
07-11-2008 | يترآى لبعض الناس في هذه الأيام أن ذكر "الصومال الكبير" يعد نوعا من الحلم بل إنه طيف خيال ينبغي طرده إذا خطر على بال الإنسان الصومالي ، ويتعللون بأن الزمان تغير – ولكن على حساب من؟- كما تكونت لديهم نظرة قاصرة مبنية على مقدمات سياسية مغلوطة تستبعد فكرة الصومال الكبير لأنهم يظنون أنها جرت على الصومال كل الويلات والحروب مع (جيرانه) بيد أنه هناك سؤال يطرح نفسه وهو؛ ماذا عن الطرف الآخر من المعادلة – الإمبراطورية الحبشية- لأن مشروع الصومال الكبير نشأ مقابل مشروع الإمبراطورية الحبشية، فهل تنازل الأحباش عن مشروعهم ؟! يبدو أن الواقع خير شاهد على مواصلتهم لمشروعهم وإن غفل أو تنازل الطرف الآخر – الصوماليون- مشروعهم وصاروا يلهثون وراء الانتماءات القبلية أو الإقليمية، والأنكي والأشد ما يقوم به البعض من تمرير أو تبرير للمشروع الحبشي الذي ازدات ضراوته في السنوات الأخيرة.
ولا شك أن بعث الملفات القديمة ومسحها من الغبار الذي علق بها يثير حفيظة بعض الجهات المتربصة والمتورطة في الشأن الصومالي والتي دأبت على طمس معالم الحقائق التاريخية ومآثر التجارب الماضية المفيدة حتى لا تكون نبراسا لواقعنا السياسي فنوزن الأمور بميزانها القويم ونضع الأحداث في سياقها الصحيح. ونعود لنقول إنه طوال العقود الأخيرة كانت منطقة القرن الأفريقي تشهد تنافسا محموما بين مشروعين هما مشروع الصومال الكبير ومشروع الإمبراطورية الحبشية، اصطبغ أحدهما بالصبغة العدوانية وهو مشروع الإمبراطورية الحبشية الذي نشأ نتيجة لأطماع جشعة تسعى لتكوين إمبراطورية حبشية تمتد من شمال الحبشة إلى أقصى الجنوب مروارا بشواطئ البحر الأحمر وانتهاء بالمحيط الهندي وهي منطقة شاسعة يسكنها غالبية مسلمة من بينها الشعب الصومالي المسلم، فكما يذكر التاريخ كانت المملكة الحبشية النصرانية في أقصى شمال الحبشة وكان من بين ملوكها النجاشي الملك العادل الذي أسلم في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم، لأنه -الملك النجاشي- أسدى خدمة كبيرة للمهاجرين المسلمين حيث وفرلهم الملجأ الآمن وحماهم من اضطهاد قريش، لذا وردت في هذا السدد بعض الروايات مثل " اتركوا الحبشة ما تركوكم" غير أنهم لم يتركوا المسلمين إذ أن ملوك الحبشة بعد ذلك النجاشي بدلوا سيرتهم الأولى وانضووا تحت لواء الحملات الصليبية التي قادها ملوك وأساقفة الكنائس في أوروبا واستبدلوا الكراهية والعداوة للمسلمين بالعدل والسماحة التي عرفوا بها في عهد النبي صلى الله عليه وسلم حتى إنهم حاولوا الإغارة على ميناء جدة بالجزيرة العربية في عهد الخليفة عمر رضي الله عنه فجهز لهم جيشا لردعهم عن غيهم حيث وصل الجيش الإسلامي إلى جزر دهلك. ومنذ ذلك الوقت كان مشروع الإمبراطورية الحبشية يجري على قدم وساق متوازيا مع الحملات الصليبية على العالم الإسلامي، فلا غرو إذاً أن ترى الحفاة العراة في هضبة الحبشة قد حطوا رحالهم في رمال المحيط الهندي وانغمست أجسادهم المقملة مياه شواطئ ليدو بمقديشو عاصمة الصومال، وهذا مرة أخرى بالتزامن مع الحملة الصليبية الجديدة على الامة الإسلامية، فما أشبه الليلة بالبارحة...!!!ويكفينا دليلا أن المشروع الحبشي ينطلق من أطماع توسعية بإلقاء نظرة على الخريطة الإثيوبية المرقعة من أمم متفرقة وشعوب متباينة الأعراق، مختلفة الأديان، متباعدة اللغات ومتناقضة الثقافات والتقاليد حيث كانت كانت المملكة الحبشية في القديم محصورة في الهضبة الشمالية – باستثناء عهود سيطرة الأحباش على اليمن - ثم تمددت رقعتها نحو الجنوب والجنوب الشرقي في نهاية القرن التاسع عشر ثم توسعت أكثر في النصف الأول من القرن العشرين حيث ابتلعت أجزاء كبيرة من الأراضي الصومالية وقد تمت كل هذه التوسعات عن طريق الغارات والحروب التي كانت تشنها على الشعوب المجاورة لها التي من بينها الشعب الصومالي والشعب الأورومي والشعب العفري وغيرهم. وتجدر الإشارة أن أطماع المشروع الحبشي لم تكتف بما ابتلعه من الأراضي الصومالية ولكنه حاول أن تكون جميع الأراضي الصومالية تحت سيطرته حيث احتج الإمبراطور الحبشي هيلاسلاسي في الأمم المتحدة في الستينيات من القرن الماضي على استقلال الصومال وزعم ظلما وزورا أن الصوماليين شعب رحل تحت إمبراطوريته ولا يحتاجون إلى دولة خاصة لهم وكان الحديث حول الإقليمين الشمالي والجنوبي اللذين تكونت منهما الجمهورية الصومالية ، وهذه المزاعم التاريخية الباطلة مبثوثة في ثنايا كتب ودراسات الأحباش كما هي مدونة وموثقة في ملفات النزاع الصومالي الإثيوبي، ولهذا نقل عن منجستو قوله إنه حقق مصلحة إثيوبيا العليا بتدميره الدولة الصومالية ، وجاء قوله بعد سقوط حكمه وهروبه من أديس أبابا أمام زحف جبهة تكراي مما يعني أن نقطة الالتقاء بينه وبين معارضيه كانت حماية مصلحة إثيوبيا لعليا المتمثلة في القضاء على الكيان الصومالي الذي يشكل عقبة أمام مشروع الإمبراطورية الحبشية.ومقابل هذا التوسع الحبشي باتجاه الأراضي الصومالية وكذلك وقوع أجزاء أخرى تحت السيطرة الأجنبية برز مشروع الصومال الكبير وكان يطمح إلى تحقيق الاستقلال والحرية لكافة ربوع الصومال ، وسعت جمهورية الصومال قدر وسعها لإرساء دعائم هذا المفهوم الذي اعتبر حصانة فكرية وثقافية ضد المحاولات التوسعية للدول الأجنبية ولا سيما في مواجهة المشروع الحبشي الذي يطمع في الاستيلاء على جميع تراب الصومال.ومن هذا المنطلق تبلورت فكرة مشروع الصومال الكبير لمقاومة مشروع الإمبراطورية الحبشية وهكذا استمرت المنازلة بين المشروعين، وكان الموقف الصومالي يتأثر بمدى تمسكه للمشروع قوة وضعفا، فعندما كان الصوماليون يتشبثون بمشروع الصومال الكبير فكريا وعمليا كانت مواقفهم قوية وكان المشروع الحبشي يترنح تحت وطأته لأنه كان يوحد مشاعر الصوماليين ويضع أمامهم التحدي الخارجي الذي يجب التصدي له ، وكان الأدب النضالي من الشعر والقصائد قد لعب دورا كبيرا في تأجيج مشاعير الأمة وغرس مبادئ المشروع في النفوس حتى اشتهرت المقولة " بأن حدود الصومال الكبير تمتد إلى آخر مراعي الإبل" وكانوا يعنون بذلك أنه حيث يوجد الإبل فثمت أرض الشعب الصومالي مهما كانت مساحة قربها من أديس أبابا. ونتيجة لذلك كانت معنويات الأمة عالية وقوية لأن آمالهم كانت تتعلق بتأسيس الصومال الكبير الذي يضم تلك المساحة الواسعة من الأراضي، لذا تعد حقبة الخمسينيات والستينيات من القرن الماضي أكثر الفترات وئاما وتوافقا بين الصوماليين حتى إن الإخوة في شمال البلاد الذين حصلوا الاستقلال قبل إخوانهم في الجنوب انتظروا عدة أيام ليستقل الجنوب ثم جاءوا تدفعهم آواصر القربى والمودة ليكونوا مع الجنوب جمهورية الصومال. وقد يزعم البعض أن هذا أمر عفا عليه الزمن لكنني أعتقد بأنه لو تكررت تلك الظروف التي هيأت لتلك الأجواء الودية فإننا سنرى نفس المشاهد تتكرر، ولا تزال تلك الأصالة الصومالية كامنة في نفوس الصوماليين لكنها تتطلب وترا خاصا يحركها من كمونها.ويبدو لي أن انطفاء جذوة فكرة الصومال الكبير أو اندراس معالمها - لدى الكثير وخاصة من يتصدرون المعترك السياسي أو بالأحرى سياسة المصلحة الشخصية- قد ساهم في بروز مشروع الإمبراطورية الحبشية مما يشير أن اختلال موازين القوى في المنطقة يعود إلى تلاشي المشروع الصومالي الذي أدى بدوره إلى نشوء كانتونات قبلية وإدارات إقليمية ساهمت أيضا في تعميق هوة الخرق في المشروع الصومالي مما هيأ الأجواء للمشروع الحبشي أن يستغل أيما استغلال في هذه الظروف وأن يعمل جاهدا في استئصال شأفة المشروع الصومالي مهما كلفته من ثمن لأن الفرص لا تعوض، وما يجري حاليا في ساحة الصومال يخدم هذا الاتجاه حسب مخططات المشروع الحبشي وآلياته التنفيذية.وعلى الرغم من جسامة الخطب وخطورة الموقف فإننا نرى أن الأمور ليست كما تبدو في ظاهرها الذي يصيب المرء بالإحباط إذ أن وفق قانون الصراع بأن الضعط يولد الانفجار فإن مشروع الصومال الكبير قد يكون أقرب إلى الظهور أو بعبارة أصح إلى الولادة بخصائص جديدة في المرحلة الراهنة أكثر من أي وقت مضى على عكس ما يتوقعه خصومه من الداخل والخارج لأن دخول بعض مراحل المشروع الحبشي حيز التبطيق كشف للعيان خطورة الوضع وألب مشاعر كثير من الناس مما يعني أننا في حالة العودة التدريجية إلى الاستمساك بمشروع الصومال الكبير في مواجهة المشروع الحبشي وإن كان هناك من يحاول إرجاع عقارب الساعة إلى الوراء حيث يراهنون على إشعال فتيل القبلية الذي أصبح الزر الجاهز للضغط لكل من تسول نفسه التلاعب بالمصلحة الصومالية.وفي ظل التطورات الراهنة –حيث قطع المشروع الحبشي شوطا كبيرا- فإنه من يحاول نبش النعرات القبلية لتحقيق مآرب سياسية شخصية يرتكب خطأ قاتلا مهما حقق من خلال ذلك من مكاسب آنية لأن الشعب الصومالي تجرع مرارة القبلية وعواقبها الوخيمة ويتلهف الآن لمشروع بديل فحان الوقت إذاً لرفع لواء الصومال الكبير لأن تفريق الصوماليين وتمزيقهم إلى أجزاء موزعة فجر مشكلة القرن الأفريقي التي تتوالى حلقاتها ولا تجدي الحلول المبتسرة بل يجب التعامل مع الأسباب الحقيقية للمشكلة حتى يتحقق (التعاون الإقليمي والتعايش السلمي بين شعوب المنطقة) كما تعودنا في خطابات للاستهلاك الإعلامي . ونستلخص مما سبق أن غياب أو ضمور مشروع الصومال الكبير من الأسباب الرئيسة لتنامي المشروع الحبشي وتماديه لأن الساحة ساحة صراع المشاريع المتضادة فإذا لم يصمد مشروعك أمام المشروع المناهض فإنه حتما سيفصح المجال له ويخرج من حلبة المنازلة، ففي ساحة القرن الإفريقي يتصارع فيها المشروعان فإما هذا وإما ذاك، لذا يتحتم على المعنيين بالقضية الصومالية فهم المعادلة الصعبة في المنطقة وهي إما مشروع الإمبراطورية الحبشية وإما مشروع الصومال الكبير، وغني عن القول بأن عجلة المشروع الحبشي تدور وبشكل عنيف وسريع، فهل آن للصوماليين أن ينفضوا الغبار عن مشروع الصومال الكبير عل ذلك ينتشل الصومال من وهدته الحالية ويضع حدا للمشروع الحبشي ، آمل أن يفهم ذلك العقلاء من أهل الصومال لأن بطبيعة الحال ليس الكلام للبلهاء ولا للأغبياء الذين أعمتهم شهوة السلطة وأشربوا في قلوبهم العصبية المقيتة فوقعوا في فخ العدو وصاروا مطية له أو كادوا يفعلون.
أحمد عبده آدم-باحث في شئون القرن الإفريقي-ماليزيا |
|